أبي منصور الماتريدي

419

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ثم قوله : أَ لَمْ يَعْلَمُوا يخرج على وجهين : أحدهما : أي : قد علموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له ما ذكر ، لكنهم عاندوا [ وقصدوا ] الخلاف والمحادة له مع علمهم . والثاني : أي : علموا أنه من يحادد الله ورسوله ، فإن له ما ذكر ؛ على ما ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يخرج على الإيجاب والإلزام . وقوله - عزّ وجل - : ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ . يحتمل وجهين : الأول : يحتمل الخزي ، أي : الفضيحة العظيمة في الدنيا . والثاني : يحتمل ذلك الخزي العظيم في الآخرة ، أي : نار جهنم خزي عظيم . وقوله - عزّ وجل - : يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ . يحتمل قوله : يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ ، أي : الحق عليهم أن يحذروا ؛ لما أطلع الله رسوله مرارا على ما أسروا وكتموا . ويحتمل على الخبر : أنهم كانوا يحذرون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم عما في قلوبهم ؛ لكثرة ما أطلع الله رسوله من سرائرهم وسفههم . وقوله - عزّ وجل - : قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ . فهو - والله أعلم - ليس على الأمر ؛ ولكن على الوعيد ، يقول : استهزءوا ؛ فإن الله مظهر ومبين ما أسررتم وكتمتم من العيب والاستهزاء برسوله والطعن فيه . وقوله - عزّ وجل - : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ . ذكر السؤال ، ولم يبين عمّ يسألهم ، ولكن في الجواب بيان أن السؤال إنما كان على الاستهزاء ؛ حيث قال : قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ : ذكر أن نفرا من المنافقين كانوا اختفوا في بعض الطريق ، ليمر رسول الله ، ويرجع من الغزو فيقتلونه ، فأطلع الله نبيه على اختفائهم في ذلك أنه لما ذا ؟ فقال : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ . وذكر بعض أهل التأويل أن النبي لمّا رجع من غزوة تبوك بينا هو يسير إذ هو برهط يسيرون بين يديه يضحكون ويستهزءون ، فأطلع الله رسوله أنهم يستهزءون بالله وكتابه ورسوله ؛ فقال : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ . وقيل بغير ذلك . وقيل : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ ، أي : لو سألتهم : ما تقولون ؟